عين القضاة
35
شرح كلمات بابا طاهر العريان
الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : الآية 102 ] . 3 - جهل لوجود العلم بأنّ كنه الحقّ لا يعلم ، وهو حميد . فكما كانت البداية جهلا كذلك النهاية ، وهذا معنى قول الجنيد - رحمة اللّه عليه - حين سئل عن النهاية ، فقال : الرّجوع إلى البداية . وقال اللّه تعالى : لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحجّ : الآية 5 ] . وقال : ( آخر العلم جهل ، وآخر العقل حيرة ، وآخر المعرفة التسليم ) . أقول : يعني ، نهاية العلم الجهل الحميد ، كما ذكر ، وغاية إدراك العقل التحيّر ، وآخر مقام المعرفة الاعتراف بالعجز ، وهذا كلّه تفسير قوله : ( الرجوع إلى الجهل معرفة ) . قال : ( ليس من حكم المعرفة الخروج إلى الجهل ، ثمّ حقيقة المعرفة الرجوع إلى الجهل ) . أقول : لمّا علم أنّ الخروج إلى الجهل جحود ، وهو ضدّ المعرفة ، علم أنّ الخروج إليه ليس من حكم المعرفة ، وقوله : ( حقيقة المعرفة الرّجوع إلى الجهل ) ، معلوم ممّا سبق . وقال : ( من عرفه بمعرفة نفسه ، استقبله في طريق المعرفة به ، ومن عرفه فطرته ، اختبره بعزائم بليّته ، ومن عرّفه عزّته ، حبسه بزاجر غيرته ) . أقول : الفطرة الخلق ، قال اللّه تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الرّوم : الآية 30 ] ، والاختبار الابتلاء ، والبليّة والبلاء بمعنى الامتحان ، وهو من اللّه تصفية القلوب للتقوى ، قال اللّه تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [ الحجرات : الآية 3 ] ، والعزائم - جمع عزيمة - عمل فيه تشدّد ، ضد رخصة عمل فيه تساهل . وضمير الفاعل في ( عرفه ) مخفّفا ، عائد إلى ( من ) الأولى ، وكذلك الهاء في ( نفسه ) و ( استقبله ) و ( معرفته ) ، وضمير الفاعل في ( استقبله ) للّه سبحانه ، وكذا